September 4, 2011

3 ايلول : موقعة عين جالوت




المعارك التاريخية كثيرة...
إلا أن القليل منها ... هو الذي غيَّر مجرى التاريخ...
ومن ذلك القليل ... كانت معركة عين جالوت ..
حيث تلألأ بطل اسمه ... السلطان الملك المظفَّر سيف الدين قُطُزْ



   كان يحكم المماليك البحرية السلطان علي بن أيبك و لقب بالمنصور , وكان في الخامسة عشر من عمره و كان يقضي وقته في اللعب و ركوب الحمير بالقلعة ..

   انتهز النائب للمنصور قُطُزْ فرصه خروج الأمراء للصيد و قبض على المنصور و أخيه و أمهما , و لما عاد الامراء انكروا عليه عمله فأخذ قُطُزْ يرضي الأمراء , و عندئذ قبض على زمام الامور بيد من حديد , و اعتقل من توهم خطره من الأمراء .

   اضطربت أحوال الشام نتيجة لغزو المغول , إذ لم يمض على استيلاء هولاكو على حلب ستة عشر يوماَ حتى أخذ في الزحف على دمشق , فدخلها المغول و نهبوها , ثم ساروا إلى بعلبك و اتجهت طائفة منهم إلى غزة ...

   و أرسل هولاكو إلى سلطان مصر قُطُزْ بعد احتلاله دمشق و تهيئته للزحف بجيشة على مصر.. قال فيها:
من ملك الملوك,شرقاً و غرباً القان الأعظم .. باسمك اللهم باسط الأرض و رافع السماء ... أنا نحن جند الله في ارضه خلقنا من سخطه و سلَّطنا على من حل به غضبه فلكم بجميع البلاد معتبر وعن عزمنا مزدجر فاتعظوا بغيركم و أسلموا إلينا أمركم قبل ان ينكشف الغطاء فتندموا و يعود عليكم الخطأ فنحن ما نرحم من بكى ولا نرق لمن شكى وقد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد و طهرنا الأرض من الفساد و قتلنا معظم العباد .. فعليكم بالهرب و علينا الطلب , فأي أرض تأويكم و أي طريق تنجيكم ؟ و أي بلاد تنجيكم ؟ فما من سيوفنا خلاص ولا من مهابتنا مناص فخيولنا سوابق و سهامنا خوارق و سيوفنا صواعق و قلوبنا كالجبال و عددنا كالرمال , فالحصون لدينا لا تمنع و العساكر لقتالنا لا تنفع و دعاؤكم علينا لا يُسمع ...
و بنهاية الرسالة كتب: و السلام علينا و عليكم و على من أطاع الهدى وخشي عواقب الردى و أطاع الملك الأعلى ..
ألا قل لمصرها هُلاون قد أتى _ مجد سيوف تنتضى و بواتر
يصير أعز القوة منها أذلــــــة _ ويلحق أطفالاً لهم بالأكابر

هُلاون:صيغة لاسم هولاكو
و عرف عن هولاكو انه ليس بالإنسان الذي يطمأن إليه , فهو لا يتورع عن احتزاز الرؤوس وهو لا يفى بعهده و ميثاقة , فإنه قتل فجأة خورشاه و الخليفة و حسام الدين عكة و صاحب إربل بعد أن أعطاهم العهد و الميثاق . فإن كافة بلاد ديار بكر و ربيعة و الشام ممتلئة بالمناحات و الفجائع , و أصبحت البلاد من بغداد حتى الروم خراباَ , و قضى على جميع مافيها من حرث و نسل ...

   بعدما وصلت الرسالة التي حملها رسل المغول إلى سلطان قُطُزْ , أجمع أمراءه و أركان دولته و قال: لقد توجه هولاكو خان من توران إلى إيران بجيش جرار, ولم يكن لأي مخلوق من الخلفاء و السلاطين و الملوك طاقة على مقاومته و استولى على جميع البلاد . ثم جاء دمشق , ولو لم يبلغه نعي أخيه لألحق مصر بالبلاد الأخرى . ومع هذا فقد ترك كتبغا نائباً عنه في الشام  وهو كالأسد الهصور و التنين القوي في الكمين , و إذا قصد مصر فلن يكون لأحد قدرة على مقاومته , و يجب تدبير الأمر قبل فوات الفرصة. و رأى ان نتوجه جميعاً إلى القتال , فإذا ظفرنا فهو المراد , و إلا فلن نكون ملومين أمام الخلق ... و أمر قُطُزْ بقتل رسل المغول و أمر بتعليق رؤوسهم على ابواب مصر - هو أول من علق على باب مصر رؤوس المغول - ..

   إلا أن بعض الأمراء ترددو في الخروج لحرب المغول لانهم عرفوا مبلغ قوة المغول و تعطشهم للدماء , خطب قُطُزْ خطبة حماسية لرفع الروح المعنويه فيهم وقال :
يا أمراء المسلمين ! لكم زمان تأكلون أموال بيت المال و أنتم للغزاة كارهون ؟ أنا متوجه فمن اختار الجهاد يصحبني ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته فإذن الله مطلع عليه و خطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين. وفي احيان أخرى , كان يخرج ليلاً في عسكره, و يصيح في الأمراء قائلاً : أنا خارج القى التتار بنفسي . حتى جاء اليوم الذي جمعهم فيه و حضهم على قتال التتار, و ذكرهم بما وقع بأهل الأقاليم من القتل و السبي , و الحريق , و خوفهم من وقوع مثل ذلك , و حثهم على استنقاذ الشام من التتار , و نصر الاسلام و المسلمين , و حذرهم عقوبة الله , فضجوا بالبكاء , و تحالفوا على الاجتهاد في قتال التتار و دفعهم عن البلاد .

و قرعتْ الطبولُ معلنةٌ مسيرة للحرب ...

مكان المعركة:
عين جالوت, عين جالوت اسم لبلده وصفها الجغرافيون العرب بأنها :بلده لطيفة بين بيسان و نابلس من اعمال فلسطين , ومازالت خرائبها ماثلة حتى اليوم, وتقع عند الضفة اليمنى لنهر الجالوت ,الذي يأخذ مياهه من عيون قرب زرعين جنوبي بلدة المعقولة , ثم ينساب حتى بلده بيسان.


تاريخ المعركة:
يوم الجمعة 25 رمضان 658هـ/3 ايلول 1260م


الاطراف و مواقعهم:
- قائد الجيش المغولي كتبغا ( و تكتب احياناً: كلتبوغا , كيتوبوقا) , كان يحمل أعلى رتبة عسكرية مغولية وهي (نوين) , ولا تناط به إلا المهمات الكبرى , و يتلقى أوامره من هولاكو نفسه. وهو مع ذلك صديقة و صهره .

و احتشد الجيش المغولي قرب مدينة بعلبك في وسط سهل البقاع و كان اختيارة موفقاً لأنه يتيح له فرصة استخدام الطرق الداخلية لبلاد الشام بسرعة و كفاءة, إذ لا توجد حواجز طبيعية تذكر.

- قائد الجيش المصري  السلطان قُطُزْ , وكان أحد قادة المماليك الكبار في اواخر عهد الحكومة الأيوبية , و يبرز إلى جانب قُطُزْ , اسم قائد عسكري محنك وهو ركن الدين بيبرس , و لعب دوراً مهما بل حاسماً في الاعداد للمعركة وفي وضع خطتها , و المشاركة الفعلية في قيادة الجيش المصري , وقد أُقترن اسم بيبرس منذ أول حياتة العسكرية بمعركة سريعة و ناجحة انتصر فيها بقوة محدودة على الجيش الصليبي قرب مدينة غزة.
و احتشد الجيش المصري في بلدة الصالحية , وهي بلده كان قد أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب لأغراض عسكرية .


    امر قُطُزْ أن يوفد ركن الدين بيبرس على رأس مقدمة الجيش ليتحسس أخبار المغول , فسار بيبرس و الجمع الذي معه سيراً حثيثاً و كان المغول قد وصلوا إلى غزة , فلما وصل بيبرس حدث القتال فانهزموا المغول و انسحبوا من غزة فاحتلها بيبرس و نزل فيها بجمعة حتى وافاه السلطان قُطُزْ و معه بقية الجيش , فزحف المماليك عن طريق الساحل قاصدين بحيرة طبرية فخرجوا الصليبين إلى السلطان قُطُزْ و عرضوا عليه بالهدايا و الأطياف و المساعدة , و لكنه قال لهم : لم انوي بكم بسوء و لم اخرج لقتالكم و إنما لقتال التتار ... فشكرهم و استحلفهم أن يكونوا لا له ولا عليه , و هددهم و أقسم إذا هم اعتدوا على مؤخرة جيش المسلمين أن يعود إليهم و يقاتلهم قبل أن يقاتل التتار .

و كان هؤلاء الصليبيين قد كاتبوا المغول قبل ذلك يعلمونهم بأنهم معهم على المسلمين , و أنهم على استعداد ليجيئوا المسلمين من خلفهم إذا تقدموا لقتالهم, ولكنهم لما رأوا انهزام طلائع المغول و انسحابهم من غزة خشوا أن ينقض عليهم المسلمون فاتبعوا سبيل الوفاق معهم .. ولم يكف السلطان قُطُزْ بوعودهم و أيمانهم حتى شرط عليهم أن يبقى في الحصون القائمة على منافذ عكا حاميات من عسكرة ليضمن بذلك بقاءهم على الحياد , فوافقوا على ذلك مكرهين.

عندما علم كتبغا بوصول انباء عن تقدم قُطُزْ على رأس الجيش المصري إلى عكا  و أنباء تحرير غزة و انسحاب التتار قد أثار الحنق في نفسه مما اضطر إلى ترك بعلبك و الاندفاع جنوباً باتجاة دمشق في طريقة إلى شمال فلسطين, ثم تقدم باتجاه بحيرة طبرية و تقدم باتجاه منطقة عكا حيث يوجد الجيش المصري.

ولما كانت انباء تحركات الجيش المغولي تصل إلى اسماع القيادة المصرية أولاً باول , قادر الجيش المصري عكا باتجاه الجنوب الشرقي , فوصل عين جالوت , حيث اختيرت المنطقة ساحة للقتال.



خطط الطرفين:


الجانب المغولي:
1/ احداث الارتباك في أجنحة الموضع الدفاعي قبل بدء المعركة عن طريق رماه السهام .
2/ قيام بهجوم عام, ثم تركيز الهجوم على قلب العدو .

الجانب المصري:
1/ استدراج الجيش المغولي إلى مدخل وادي الجالوت, عن طريق اغرائه بوضع فرقة مصرية ذات قابلية حركة عالية, في مدخل ذلك الوادي ثم سحب الفرقة بسرعة و دورانها بشكل محوري على أحد جانبيها , بهدف تشجيع الجيش المعادي على مطاردتها و التوغل في الوادي.
2/ تثبيت الجبهة عن طريق تعزيزها بفرقة القلب .
3/ حشد القوات الكبيرة و توجيهها نحو جناح العدو في حركة التفاف واسعة تتخذ من تل القيادة المتوسطه محورا لدورانها وسترا لها في الوقت نفسه.
4/ الاطباق على العدو من مؤخرتة , فضلاً عن مقدمتة , و الالتحام به في قتال ثابت

( اعد قراءة خطط الطرفين مره اخرى, إذا ممكن)



احداث موقعة عين جالوت :


1] قسم القائد قُطُزْ جيشة إلى جناحين غير متكافئين حجماَ وسلاحاً , فجعل الجناح الأيسر عبارة عن فرقة خفيفة من الخيالة يقودها بيبرس, في حين جعل الجناح الأيمن وهو الاكبر و يتألف من المشاة فضلاً عن الخيالة . أما فرقة القلب وهي بأمرته المباشرة فقد جعلها تتوسط الجناحين .
و افتتح الجناح الأيسر المصري المعركة في فجر يوم الجمعة 25 رمضان 658هـ/3 ايلول 1260م , بسلسلة من الأعمال التعرضية السريعة على مقدمة الجيش المغولي , بهدف استدراجة إلى مدخل وادي الجالوت , و بالفعل فقد انقض الجيش المغولي على هذا النجاح دون ان يحسب حساباً لفرقتي القلب و الجناح الأيمن , و اغلب الظن أنه لم يراهما, لاختفاء اولهما في الجبل , و آخرهما خلفه . ووفقاً للخطة أمطرت كتائب السهام المغولية المصريين بوابل من السهام .

2] وعند حدوث الاشتباك بين الجيش المغولي و الجناح الأيسر المصري, تظاهر الأخير بالتقهقر , ليأخذ تقهقره شكل دوران على محور ثابت , وهو الجبل حيث مقر القيادة و فرقة القلب , حتى إذا ما سد الجناح مدخل الوادي الصغير من وادي الجالوت الرئيسي , في نقطة افتراق عند الجبل , كان الجيش المغولي قد غدا في الساحه في مواجهته تماماً.

3]
وفي الوقت نفسه كان الجناح الأيمن , وهو الاكبر حجماً و قوة , قد غادر موقعه في الوادي الصغير و مضى يتقدم في داخل الوادي الرئيسي ملتفا من أمام تل القيادة نفسة .

4] و بغية ايقاف انسحاب الجناح الأيسر , و تثبيت الجبهة امام المغول , أعطي القائد قُطُزْ ايعازه لفرقة القلب بمغادرة موقعها في الجبل لتعزيز الجناح الأيسر , فهبطت تلك الفرقة و بضمنها مقر القيادة , إلى أرض الوادي حيث أبدت من ضروب الشجاعة و الأقدام ما اوقف التراجع , و ثبت الجبهة في تلك المنطقة تماماً .

5] في الوقت الذي أخذ فيه الجناح الأيسر , معززاً بفرقة القلب , بالتعرض المقابل على جيش المغول , كان الجناح الأيمن قد أكمل التفافه على مؤخرة ذلك الجيش في مدخل الوادي الرئيسي . و بذلك تم الاطباق عليه من جهتي الوادي , بينما كانت الجبال تطبق على الجبهتين الاخريين.

6] ساعد على اتمام عملية الالتفاف هذه , وجود الجيش المغولي في واد ضيق نسبياً ... فتقاتلوا قتالاً شديداً حتى أبيد من المغول مالايحصى عدده .

7] لم يستطع المغول تنظيم عملية الانسحاب, فقد قتل كتبغا اثناء المعركة و أسر ابنه و تشتت القيادة المغولية .


ولا شك في أن موقعة عين جالوت كانت نقطة تحول خطيرة في تاريخ الشرق الأدنى و احدى المعارك الفاصلة ..
ولها آثارها و نتائجها المتعددة في التاريخ:

1/ توقف الزحف المغولي و انحسر و انكمش .
2/ اتاح انتصار المسلمين على المغول في عين جالوت الفرصة لإعادة الوحدة السياسية بين مصر و الشام .
3/ افادت معركة عين جالوت العرب, إذ علمتهم درساً في التكاتف و التعاون ضد خطر المغول الذي ظهر اكثر من مره .
4/ منحت معركة عين جالوت مصر مركز الزعامة في المشرق الأسلامي , ونظرت إليها الدول في المشرق نظرة احترام و تقدير.





المراجع:
- مصر و الشام في عصر الأيوبيين و المماليك . لـ د.سعيد عبد الفتاح عاشور .
- مصر قاهرة المغول في عين جالوت . لـ د.محمد فتحي الشاعر .
- حياة الملك المظفَّر قُطُزْ . لـ محمود شلبي .
- معركة عين جالوت . لـ محمد الانطاكي.



اتمنى وفقت في توثيق هذه الذكرى ولو القليل .
الموضوع اجتهاد شخصي , ولا احلل من يستخدمه باي شكل من الاشكال من دون ذكر المصدر

كرز
3-4 ايلول 2011

5 comments:

  1. جميل جداً رغم أني قرأتهُ فيِ السنة الماضية في كتاب التاريخ لاكنه كان مملاً
    أما هناَ فقرأتهُ بشكلِ مختلفُ
    كنتِ مذهلةةَ
    بوركتَ جهودكِ يَ جليلةِ <3

    ReplyDelete
  2. أشكرك جداً
    طريقة تناولك حلوة و جعلتني/ا ن/أكمل للنهاية :)

    ما أحوجنا لأيام من هذه الشاكلة!

    ReplyDelete
  3. زحمة حكي,
    :"""""")
    ربي يسعددددك يا جميلة
    (L)


    هيثم,
    العفو
    الحمد الله هذا هو المطلوب ^^"
    ربي يسعدك دنيا و آخرة
    (=

    ReplyDelete
  4. مضى زمن طويل منذ آخر حصة تاريخ معك :)
    لطالما سمعت بها لكني لم أعلم أنها " دراما " حقيقية ..
    بدءًا بالرسائل الخشنة وانتهاءً بالنتائج الفارقة حقًا !
    الجميل في مثل هذه الوقائع انكِ تبدأين بالتخيل وسماع الأصوات والسيوف والخوف والنصر !
    استوعبتُ المعركةأخيرًا والشكر لكِ لكتابة التدوينة ..
    حماكِ ربي ..

    ReplyDelete
  5. هيييه اتذكر خذينا عنها في ثالث اعدادي
    بس ما كنت احب التاريخ تعقدت منه

    بس شكرا المعلومات جدا قيمه ^^

    ReplyDelete