February 11, 2011

قَطْر النَّدَى


▌  قَطْر النَّدَى..



    بالفترة الثانية من الدولة العباسية برزت احداث كثيره , تارة امتازت بالقوة و تارة اخرى بالضعف تارة بالثراء الباذخ و تارة بالفقر الشديد و القائمة تطول .. وكان من بين تلك الاحداث زواج الفتاة الشابة أسماء الموصوفة بفَرط الجمال و العقل, بديعة الحُسْنِ عاقلة . احببتُ أن تعيشوا ذلك الزواج الذي حدث في عام 281 هـ ...


   يذكر أن احمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية في مصر عام ( 254-292هـ) امتاز عصره بالرخاء و الثراء الشديدين , و توفى تاركاً ثروة توازي ثروة كسرى بل تزيد ! . تولى الخلافة من بعده ابنه خُمَاَرَوَيْه  - وقيل خُمار- الذي لم يتكبد عناءً غير التبذير و الترف بثروة والده ولا ننكر بعض اعماله التي قام بها , و كان ظهور الدولة الطولونية غير مرحب به و بالوجه التحديد من قبل العباسيين. و دارت بينهم عده حروب و أشهرها معركة الطواحين سنه 271هـ في فلسطين حيث كان يقود خُمَاَرَوَيْه جيشا ضخما ضد ابن المُوفق العباسي المُعْتَضِد ، وكان عدد جيش العباسيين أربعة آلاف فقط أما جيش خُمَاَرَوَيْه فقد بلغ سبعين ألفا ، انهزم خُمَاَرَوَيْه و انكسرت شوكة و ركب حماراً هارباً إلى مصر ، وترك أثقاله ونفائسه غنيمة باردة للمُعْتَضِد ، وكاد أن يتم النصر للمُعْتَضِد لولا أن كمينا لخُمَاَرَوَيْه
يقوده سعد الأعسر استطاع هزيمة المُعْتَضِد وطرده من معسكر خُمَاَرَوَيْه
، هذا بينما كان خُمَاَرَوَيْه قد واصل الهرب حتى وصل إلى الفسطاط ..


   وواصل خُمَاَرَوَيْه حملاته الحربية في الشام  و لقب بـ أبي الجيش , ثم آثر السلامة والدعة ليتمتع بقصوره وحياته فطلب الصلح من المُوفق العباسي وعمل على إرضائه بالأموال حتى اعترفت به الدولة العباسية واليا على مصر والشام ثلاثين عاما فانطلق خُمَاَرَوَيْه في حياة الترف ..


   وفي سنة 279 هـ توفي المُعْتَمِد و بويع ابن اخية  المُعْتَضِد ابو العباس أحمد بن الموفَّق ؛ فبعث خُمَاَرَوَيْه إلى المُعْتَضِد مع ابن الجَصّاص بهدايا و تُحف , فسأله أن يُزوّج ابنته أسماء الملقبة بـ قَطْر النَّدَى (و معناه الماء الخفيف المتجمع من البخار في الصباح) لولده المُكْتَفِي بالله , فقال المُعْتَضِد: بل أنا أتزوّجها , فتزوجها في سنة 281هـ وهي عند ابيها بمصر , و وصلت إلى بغداد في سنة 282هـ , و أصدقها ألفّ ألف دِرهم . يقال إنّ  المُعْتَضِد أراد بزواجها أن يُفْقِر أباها خُمَاَرَوَيْه في جَهازِها , فإنّه جهّزها جَهازاً ضاهَى به نعمة الخلافة . وكان من جملة جَهازها دَكّه أربع قِطع من ذهب عليها قبَه من ذهب مُشبَّك في كل عين من التشبيك قُرْطٌ معلّق فيه حبّه من جوهر لا يُعرّف لها قيمة , ومائه هاون من الذهب. وقال الذهبيّ: و الف هاون من الذهب. و قال ابن إلياس في بدائع الزهور: وكان معها من القماش و الأواني مالا يحصر , حتى قيل: نقل جهازها من مصر إلى بغداد في ستة أشهر , فكان من جملة ما ذكر من جهازها مائه هاون من الذهب , و ألف سروال حرير , وفي تكه كل سروال جوهرة قدر بيضة الحمامة .


   ولما فَرَغ  خُمَاَرَوَيْه من جهاز ابنته  قَطْر النَّدَى أمر فبُنِي لها على كل مَنْزِله تنزِل فيها قصرٌ فيما بين مصر و بغداد , و أخرج معها  خُمَاَرَوَيْه و اخاه خَزْرَج و أخته العباسة  في جماعة مع ابن الجَصّاص , و حمل معها من الجَهاز مالم يُرَ مثلُه ولا يُسْمَع به , وكانوا يسيرون بها سيرَ الطفل في المَهْد ؛ فكانت إذا وافت المنزلة وجدت قصر قد فُرِش , فيه جميع ما تحتاج إليه . وقد عُلِّقت فيه الستور و أُعِدٌ فيه كلّ ما يصلح لمثلها . وكانت في مسيرها من مصر إلى بغداد على بُعْد الشُّقة كأنّها في قصر ابيها , حتى قَدِمت بغداد في أوّل المحرم سنه 282هـ , فنودي في جانب بغداد أن لا يعبر أحد دجله , و غلقت أبواب الدروب التي يلين الشط , و مُد على الشوارع النافذه إلى دجلة شراع , و وكل بحافتي دجله مَنْ يمنع الناس أن يظهروا في دورهم على الشط .

   و لمّا دخَل بها الخليفة المُعْتَضِد أحبّها حبّاً شديداً لجمال صورتها و كثرةِ أدبها . قيل : إنّه خلا بها في بعض الأيّام فوضَع رأسه على رُكْبَتِها و نام , و كان المُعْتَضِد كثير التحرّز على نفسه ؛ فلما نام تلطَّفت به و أزالت رأسَه عن ركبتها و وضعتها على وسادة , ثم تنحَّت عن مكانها و جلست بالقُرْب منه في مكان آخر ؛ فانتبه المُعْتَضِد فَزِعاً ولم يجدها , فصاح بها فكلمته في الحال ؛ فعَتَبها على ما فعلت من إزاله رأسه عن ركبتها , وقال لها: أسلمتُ نفسي لكِ فتركتنِي وحيداً و أنا في النوم لا أدري ما يُفْعل بي ! فقالت: يا أميرَ المؤمنين , ما جهلتُ قَدْرَ ما أنعمت به عليّ , و لكن فيما أدَّبني به والدي خُمَاَرَوَيْه: أني لا أجلِس مع النُّيام ولا أنام مع الجلوس ؛ فأعجبه ذلك منها إلى الغاية. قلت: لله درّها من جواب أجابته به !


و ماتت  قَطْر النَّدَى في سنه 287هـ و دفنت داخل قصر الرصافة ببغداد .



 
المصادر
- شذرات الذهب في أخبار من ذهب ج2 . لـ الدمشقي
- المنتظم في تاريخ الملوك و الأمم ج12 . لابن جوزي
- النجوم الزاهرة في ملوك مصر ج3 . لتَغْري بَرْدي
-
موقع الحوار المتمدن أحمد صبحى منصور


المعذرة على الكلمات  الثقيلة النطق
$:
الموضوع من اجتهادي , فضلاً لا أمراً ... =)





2 comments:

  1. استمتعت بقراءة صفحة من التاريخ ..

    قطر الندى !! جميل جدًا .. لم احفظ سوى شجرة الدر
    عَلَم جديد يُحسب لصالحنا :)
    يطيب لي مكوث يومٌ واحد في أحد تلك القصور ... اتساءل مالذي جرى لها الآن ياترى ؟

    اجتمع فيها الحُسْنِيَين ..
    قطر الندى .. لله درك !

    خماروية اصابه من الحظ السعيد ما يكفي !

    جميل إضافة مثل تلك المواضيع .. حقًا إنه لشيء رائع
    أجد أني جزء من التاريخ وهو جزءٌ مني أيضًا ..
    بانتظار صفحة أخرى عزيزتي .. :)

    ReplyDelete
  2. علمني أبي ألا أجلس مع النيام ولا أنام مع الجلوس !

    لا زالت على لساني منذ ان قرأتها،
    جميلة جدا يا جميلة ♥

    ReplyDelete